الخميس، 8 سبتمبر 2011

تركيبة عجيبة

هكذا أصف نفسى.. أو بالأصح هكذا يرانى الناس. 
والسبب فى ذلك - قطعا - ليس أنا.. فقد اعتاد الناس فى بلادى على التصنيف و التقسيم، والقولبة ، و حب النماذج الجاهزة  stereotype فلا أحد يحب أن يجهد نفسه فى قراءة عقلية الشخص الذى أمامه .. فالأسهل دائما أن أطلق الأحكام بناء على التصنيفات السابقة .. فالدمياطى بخيل .. والصعيدى غبى .. والغربى منحل.. والملتحى متشدد.. والعلمانى كافر.
وهكذا تصبح الأمور أسهل.. ويصبح الحكم أسرع.. لكن السؤال : هل هو حكم عادل؟
أنا واحد من الذين يعانون فى مصر من حب التصنيف والقولبة المتفشية بيننا.. فأنا لست نمطيا فى تكوينى وسلوكياتى ..فمثلا  أطلق لحيتى لكننى لست سلفيا.. أذهب الى السينما لكننى لست راضيا عن أفلام العرى والبذائة..أحب سماع القرآن الكريم وأحفظ أسماء الكثير من شيوخ القراءة فى مصر، وفى الوقت نفسه استمع الى الغناء ولى ذوق أميز فيه بين الغث والسمين من المطربين.. لا أتهم غيرى بالكفر لمجرد أنه مختلف ولكننى لا انساق الى كل ما هو أجنبى بدعوى اتباع التطور والحداثة.. لا أرى حرمة فى الحب لكننى لا أقبل بغير العلاقات البريئة..اتكلم كثيرا فى الدين لكننى لا أفرض رأيى على أحد.. أقبل الصداقة بين الرجل والمرأة لكننى أرفض أن نعرفها بمثل ما نعرف الصداقة بين الرجل والرجل أو المرأة والمرأة.. أدافع عن الفن لكننى أحارب بشدة الفنون التى تتعارض ودينى.. أحب الفلسفة ولا أراها كفرا- كما يعتقد البعض- وفى الوقت نفسه لا أعادى من يحاولون تقديم أفكار تنبع من الدين.
إن هذه التركيبة العجيبة تجعلنى واقفا موقف المدافع عن نفسى والمبرر لأقوالى وأفكارى طوال الوقت.. لا اتناقش مع أحد إلا نظر لى بريبة وحذر قبل أن يكرر على مسامعى السؤال الذى طالما سمعته : أنت إيه؟.. وحينما يجد أن السؤال غامضا يدعمه ببعض التوضيح : " يعنى علمانى ولا شيوعى ولا سلفى ولا أخوان ولا أيه بالضبط؟" .. وكأننا يجب أن نلتزم بالمنهج المقرر من الوزارة.. بحيث أصبح التفكير خارج القطيع جريمة تنتظرك معها الاتهامات - الجاهزة أيضا - بالخيانة أو الكفر أو الانحلال وضعف الدين أو الانغلاق والرجعية.
لا أزال أذكر كيف كنت اتحدث الى فتاة متحررة.. واعربت لها عن ملاحظة بخصوص فعل من أفعالها وحاولت إحدى زميلاتنا بالكلية أن تمنعنى  فرفضت و قالت لها : " دعيه .. دعيه.. فأنا أحب أن اسمع تفكير هؤلاء " .. ولا أعرف من قصدت بهؤلاء .. لكننى أيقنت وقتها  انها الحقتنى من فورها بأحد قوائم التصنيف عندها .. وهو نفس شعورى حين كنت اتحدث الى زميل آخر حول موضوع ما فقال لى معترضا فجأة " أنت منهم ..!!" .. فعرفت أنه قولبنى فورا وجعلنى "منهم".
وفى ظل هذه الحالة من النمطية الفكرية أصبح كل واحد منا مطالب بأن يبرر أى فعل "مختلف"  أو غير تقليدى لكل المحيطين به.. فلو أطلت شعرى .. الكل يسأل لماذا ؟.. ولو حلقت شعرى وأطلت لحيتى الكل يسأل لماذا أيضا ؟.. وأصبحت القضية ليست هى بماذا تختلف ؟ وإنما لماذا تختلف ؟. وعلى الرغم من أن الله قد خلقنا بالطبيعة مختلفين ، إلا أن هناك الكثير ممن يرفضون ذلك ولا يقبلون إلا أن نكون جميعا نسخا كربونية من أصل واحد لا وجود له إلا فى عقلية كل منا .. وهو ما عبر عنه المثل الشعبى المعروف " كل واحد عجباه دماغه".



الأربعاء، 7 سبتمبر 2011

الفن والعرى

لاميتا فرينجيه فى فيلم أنا بضيع يا وديع
أصبح من الشائع لدينا أن ندافع عن العرى باسم الفن.. وأن نصدر للناس فكرة مسمومة مفادها أنه لا يمكن صنع فن هادف وله قيمة إلا اذا اتيح للمبدع فرصة  أن يقدم لجمهوره عريا وابتذالا.. الذى يراه المناصرون لهذا التوجه عريا لكن دون ابتذال بدعوى أنه مبرر دراميا.. أى أنه عرى مسبب.. مثل الاستقالة المسببة.
ما يغيظ فى الموضوع أن نجمات العرى عندنا من كثرة ما مارسوا الكذب علينا بهذه الذريعة الواهية صدقوها.. واعتبروا أن المدافعين عن الاحتشام - أو الفن النظيف كما يسمونه هم - زمرة من الجهلاء الرجعيين الذين لا يفهمون كيف أن كل صناع الفن العظيم فى العالم يمارسون صناعة العرى فى اعمالهم الخالدة.
والحقيقة أن مثل تلك الأفكار لا يتفق عليها إلا فصيلين من الناس هم المنحلين فنيا والمتشددين دينيا ، فعلى الرغم من بعد الهوة بين الفريقين حتى أننا يمكن أن نصفهم "بالنقيضين اللذين لا يصدقان معا ولا يكذبان معا ".. إلا أنهما يتفقان على تصدير تلك الفكرة إلينا وهى أن الفن لا يمكن أن يكون محترما، فإما أن تكون فنانا أو تكون متدينا ولا تكون الأثنين أبدا.
ماندى موور
وهذا التوجه الخبيث لا يخدم إلا أعداء الفن ودعاة الرجعية وكارهى العقل والتفكير . وأحب أن أوضح لمن يصفون الفنانات والفنانين المحترمين الرافضين للعرى بالرجعية والانغلاق أن عدد كبير من فنانى وفنانات هوليوود المشهورين يرفضون رفضا باتا العرى فى اعمالهم.. مع الوضع فى الاعتبار الفرق بين العرى عندهم وعدنا.. فمثلا المطربة و الممثلة الشهيرة "ماندى موور" ترفض بشدة  أى دور يطلب منها فيه أن تظهر عارية ، وحينما سألت عن ذلك فى مقابلة مع صحيفة " USA Today" كان جوابها كالتالى :
"It would be completely uncomfortable to walk down the street and know that the person passing by had seen me without my clothes on," she says. "I've turned down several roles where the producers or directors or writers wouldn't budge on that point."
" ليس من المريح أبدا أن أسير فى الشارع وأنا أعلم أن الشخص الذى يمر بجوارى قد رآنى عارية.. لقد رفضت أدوارا عدة حينما وجدت المخرج أو المنتج أو المؤلف مصرين على العرى"
كذلك فقد رفضت الممثلة الشهيرة " جيسيكا ألبا " بطلة سلسلة " فنتاستك فور" أكثر من مرة أن تتعرى أمام الكاميرا.. آخرها فى فيلم لها بعنوان "machete"   حيث كان مطلوبا منها أن تظهر عارية تماما فى أحد المشاهد فرفضت وطلبت من الفريق التقنى للفيلم أن يستخدموا الخدع الكمبيوترية لكى يظهروها عارية دون ان تقوم هى بالمشهد .. وقالت فى ذلك : “
“I don’t mind acting sexy and wearing sexy clothes but I don’t want to go nude,”
وقالت أنها لا تعرف نفسها لو فعلت ذلك .. 
كذلك من ضمن قائمة نجمات هوليوود الرافضات للعرى تأتى الممثلة الناشئة "جينيفر هاديسون " الحاصلة على جائزة الأوسكار عن دورها فى فيلم فتيات الأحلام . حيث عرضت عليها شركة "وارنر برازر"  مبلغ 3 مليون دولار فى ثانى ادوارها على الشاشة الكبيرة بعد دورها السابق .. لكنها رفضت رغم أنها فى بداية الطريق لأن الفيلم يتضمن مشهدا عاريا يجب أن تقوم به.. و بررت ذلك بأنها لا تريد أعطاء صورة سيئة عن الفتاة السوداء فى السينما.. ومؤخرا ( ابريل 2011) فى مقابلة لها مع جريدة الديلى ميل البريطانية قالت تعليقا على العرى :
But I won’t be taking my clothes off – no way at all. Beyonce and Rihanna can have that. I like to cover up more. I won’t do Playboy. Playboy can call, and wait. That’s just not me
جينيفر هاديسون
أنا لن أتعرى أبدا.." بيونسيه" و"ريهانا"  يمكن ان يتعروا أما أنا فأحب الاحتشام . أنا لن أكون فتاة بلاى بوى.. ويمكن لمجلة بلاى بوى أن تواصل اتصالها وتنتظر .. لكن لست أنا من تتعرى".
والحقيقة أن هؤلاء الممثلات وغيرهن إنما أدركن أن الفن الحقيقى لا يمكن أن يكون مرتبطا بالعرى .. فقد رأوا ممثلات كثيرات يتفوقن ويتصدرن أعلى قوائم الأجور فى هوليوود بدون عرى من أمثال "جودى فوستر" و" جوليا روبرتس" و رينييه زيوليجر" .. حتى النجمات اللتى كن يقبلنا العرى فى صغرهن فقد عزفن عنه حين أصبح لكل منهن أسرة مستقرة وأبناء يخشين على مشاعرهن من أن تتعرض للأذى مثل " مادونا " أو" آندى ماكدويل" مثلا. فلا تتعجب الآن حين تجد المجلات الفنية تضع قوائم بأسماء أكثر 20 امرأة مثيرة رفضت عرض الظهور عارية على غلاف مجلة بلاى بوى .. فقد أصبح مفهوما أن التعرى لا يخدم الفن ولا يرفع من قدر الفنان.. فهل يدرك أنصار العرى فى وسطنا الفنى هذا.. أم هى تجارة رابحة لا يمكن التنازل عنها مقابل المبادىء.