الخميس، 27 يونيو 2013

لماذا لا أتَظَاهر ..




آنَ الأوان كي أعترف  لماذا لا أتظاهر؟
الحقيقة أن معظم أصدقائي و أقاربي يريدون أن يعرفوا السبب لعدم مشاركتي في أي مظاهرة منذ قيام الثورة . فأنا برغم تأييدي الشديد للثورة المصرية منذ يومها الأول ، إلا أنني لم أشارك في أي من فعالياتها ، بدءًا من الهتافات والاشتباك مع الشرطة وحتى التقاط الصور أمام الدبابة ، بل لكي يكتمل أعترافي ، أنا لم أشارك في أي مظاهرة في حياتي كلها  . 
ولعل عدم حديثي  حول أسباب عزوفي عن المشاركة في المظاهرات ترجع إلى أنني كنت أعتقد أن موقفي واضح ، وأن السبب معروف فلا داعٍ لذكره . إلا أنني لاحظتُ أن بعض أصدقائي ومعارفي قد قرروا - بعد أن أعياهم التفكير - إلى اعتبار عدم مشاركتي نوعًا من الجُبن أو انعدام الشجاعة ، لهذا قررتُ أن أتكلم و أوضّح موقفي .. وأتمنى ألا يغضب أحدٌ مني .. لأن كلامي وإن كان فيه قسوة و مرارة ، إلا أن قسوته و مرارته هي قسوة الحق و مرارة الحقيقة .
إن سبب عدم مشاركتي بأي مظاهرة في مصر إنما يرجع إلى قناعتي بعدم جدوى المظاهرات في بلدنا . و أن النتائج الإيجابية لها لا تكون إلا في ارتفاع معدلات المشاهدة لبرامج التوك شو التي تبث تلك المظاهرات . وسبب ذلك في الأصل يرجع لنعدام الوعي السياسي لهذا الشعب .. فنحن شعبٌ لديه أميّة سياسية راسخة ، لايغير من هذه الحقيقة المناقشات الجادة التي يقوم بها بضع آلاف من المصريين على فيسبوك أو تويتر .. فرجل الشارع في ملكوتٍ آخر .
وقد ترتب على هذا الجهل السياسي عدم القدرة على ضبط المواطن لأولوياته التي يطالب بها أو يتحرك من أجلها ، ففي الوقت الذي دعا فيه حفنة من الشباب المثقف سياسيًا لتظاهرات 25 يناير 2011 وفي ضميرهم الدفاع عن ( الحرية و العدالة في توزيع الثروة و المساواة بين المواطنين و الحقوق السياسية و الكرامة الإنسانية ..الخ ) نزل الناس الشارع لتردي أوضاعهم الاقتصادية ( ضد العصابة اللى بتسرق البلد ) و عندما قتلت الشرطة الآلاف منهم اشتدَّ غضبهم وحولوها لثورة ( بسبب الدم الذي أريق ) لكن معظمهم لا يعرف شيئا عن دستور أو قانون أو حريات عامة أو حقوق . بل أزيد على ذلك أن معظم المصريين ليس لديهم أي مانع من أن يسرق الرئيس البلد طالما أنه يوفر لهم الطعام والمسكن .. إنهم ليسوا مدافعين عن المبادئ.. بل مدافعين عن مصالحهم الضيقة  التي جعلها طغيان الديكتاتور مَطالبَ للجميع .
والحقيقة أن تاريخ المظاهرات في بلدنا يسير على نفس الخط .. فقد كان في زمن الاحتلال الانجليزي لمصر مظاهرات أيضا يقوم بها غالبًا طلاب الجامعة من طلبة الحقوق ، ويشترك فيها طوائف مختلفة من الناس ، إلا أنها لم تكن طلبا للحرية كما قد يتوهم البعض .. وإنما كانت ضد الاحتلال الأجنبي .. والفرق كبير ( راجع موقف المصريين من الاحتلال العثماني "الإسلامي" ) . المصريون لايجدون غضاضة في أن يحتلهم مصري أو في أن يسرق أموال الدولة مصري ، طالما أنه سيجعلهم يعيشون في يُسرٍ و راحةٍ ، لكنَّهم لا يقبلون أن يحكمهم أجنبيّ ، ففي هذا مذلة و إهانة لا يقبلونها .. لهذا فكل المظاهرات الشعبية الكبيرة التي خرجت في تاريخ مصر الحديث إمَّا كانت ضد احتلالٍ أجنبيّ ( ضد الفرنسيس / ضد الانجليز/ ضد رحيل ناصر المُحرّر المنتظر للاحتلال الإسرائيلي ) أو ضد ضررِ مباشر يلحق بلُقمة عيش المواطن ( مظاهرات السكر في السبعينيات / مظاهرات العمال بسبب الخصخصة ...الخ ) .
إلا أن هذا لا يمنع أن يتخلل ذلك مجموعة من التظاهرات التي تدافع عن بعض المبادئ الإنسانية أو تطالب ببعض الحقوق الطبيعية أو تعبر عن وجهة نظر سياسية ، ومثل تلك التظاهرات لم تكن تلقى اهتمامًا من عامة الناس وكانت تحشد على أقصى تقديرٍ ما بين 5 إلى 10 ألاف متظاهرِ كان الأمن يسيطر عليهم بسهولة ( راجع تظاهرات كفاية و 6 أبريل منذ 2005 ) .
لقد أدرك أنصار الحكم الديني أنّ حشد الناس بالحديث عن الحريات و الحقوق والمساواة والمواطنة لا يصلح في مصر مع شعبٍ مريضٍ بالأمية السياسية ، فاختاروا استغلال الدين في الحشد ، لأن الضرر الواقع على الدين يستشعر رجل الشارع ( الجاهل سياسيا ) أنه واقع عليه بشكل مباشر ، والنتائج كانت مذهلة بشكل معروف ( راجع أي مليونية في عنوانها كلمة شريعة ) .
والسؤال الآن : إذا كان الجهل السياسي يجعل شعبًا يُفضِّل العيش بلا كرامة ممتلئ البطن على العيش حُرًّا ولو كان جائِعًا .. فما نتيجة أي تظاهر سيقوم به المثقفون ؟ 
الإجابة : اِتْظَاهِرْ و مُت.. والإخوان تحكم .. اِتْظَاهِرْو مُتْ .. والسلفيين تحكم .. اِتْظَاهِرْ و مُت و الناس ستقولك اِعْطِ مبارك فرصة أو اعتبر مرسي أبوك ، وسننتخب الناس بتوع ربنا ..الخ .
أحب أن أذكّر أن نتائج ثورتنا حتى اليوم هي : ( جيكا / كريستي / عماد عفت / مينا دنيال ( نماذج للشهداء ) ، فتحي سرور / جرانه / مغربي / إبراهيم سليمان / صفوت الشريف ( نماذج المحررين من السجن ) ، الإخوان في البرلمان / الإخوان في الحكومة / الإخوان في الرئاسة ( نماذج لنتائج الصندوق المعبر عن إرادة الشعب ) ، صديقي شيمون بيريز  ( نماذج لسياساتنا الخارجية )  . ولكن كل هذا لا يصنع ثورة ولا يحرك المصريين كما يحركهم ارتفاع أسعار السكر والزيت أو اختفاء السولار .
إننا في وضع تاريخي مكرَّر .. فعندما أراد اتباع عرابي أن يصنعوا التغيير بالقوة لأنه أسرع ، قال لهم محمد عبده أن التغيير يكون بتغيير وعي الشعب  وعقليته أولا ، ثم سيقوم الشعب بتغيير الباقي لكنهم لم يلتفتوا لكلامه .. فشاركهم الثورة العرابية كراهة أن يُتهم بشق الصف .. لكنه تمثل قول الشاعر : 
سَيَذْكُرُني قومي إذا جَـدَّ جِدُّهُـمْ **وفي اللّيلةِ الظَّلْمـاءِ يُفْتَقَـدُ البَـدْرُ

وكانت النتيجة .. كما تعرفون . واليوم نحن نعيد الكَرّة .. ونريد أن نرفع من شأن الشعب و نرتقي به نيابة عنه .. بينما مثل تلك الخطوات التاريخية لا تقوم بها سوى الشعوب بنفسها ولنفسها .. وعندما تكون الحرية أغلى من لقمة العيش .. وعندما تكون الكرامة أعز عند المصري من الزيت والسكر .. وعندما يعي الشعب أن  حساب الصلاة واللحية يوم القيامة و حساب الانجازات والعمل في الدنيا .. وعندما نعرف متى نغضب ، ولأي شيءٍ نغضب أكثر .. وقتها فقط يكون التظاهر له معنى ، ويكون اليأس خيانة ، و يكون هذا الشعب أهلا لكل قطرة دم تسيل من أجل حريته وكرامته .
وحتى ذلك الحين .. لن أتظاهر.

السبت، 5 يناير 2013

الرجال المُتزوِّجُون

من أكثر الأمور التى أصبحت تحدث لي بشكلٍ متكررٍ أن أدخل فى نقاش مع أحد أصدقائي أو معارفي المتزوجين ، ثم ينتهي هذا النقاش بأن يؤكد لي صديقي خطأ وجهة نظري معللًا ذلك بكوني غير متزوجٍ حتى الآن .. وأننى لن أفهم تلك الأمور إلا لو تزوجت .
والحقيقة أن عامل الخبرة أمرٌ لا يستهان به فى أى موضوعٍ أو مجال .. غير أنّ هناك أمورٌ لا تحتاج إلى خبرة قدر احتياجها إلى إحساس صادق و تفكيرٌ منطقي . فما نوع الخبرة التي أحتاجها - أو يحتاجها غيري - لنعرف أن تجاهل الزوج لرغبات زوجته العاطفية ستسبب له النكد المزمن و ستحول حياته الزوجية إلى ثلاجة كبيرة خالية من المشاعر . و أى خبرة أحتاجها لأعرف أنّ توافه الأمور فى نظر الرجال هى عادةً أهم الأشياء بالنسبة للنساء ، وأنّ إهمالها يترك غضاضة في نفس الزوجة . وكم من مرةٍ اسمع فيها لشكوى زوجة طلبت من زوجها أن يقول لها كلمة حب و رفض .. أو طلبت منه أن يشعرها بشوقه لها عندما يغيب ، لكنه سخر منها . بل إن بعض الزوجات يشتكين من أن الله قد ابتلاهنَّ بأزواجٍ من عينة أبي الهول .. لا ينطق ، لا بخير ولا بشر .
إن بعضَ الرجال المتزوجين يُدارون فشلهم الزوجي خلف ستار التجربة و الخبرة .. فتجد الواحد منهم وقد أصبح يضنُّ على زوجته بالكلمة الطيبة أو اللمسة الحانية أو التصرف الرقيق .. وبعضهم لا يكتفي بهذا التجاهل السمج ، فينهال على رأسها بأقسى العبارات والألفاظ إنْ هي أخطأت في شيءٍ أو نسيتْ شيئًا . كأن الزواج قد خُلق لنا نحن الرجال فقط .. أو كأنه فيلمٌ البطل فيه الرجل ، بينما تلعب المرأة فيه - دائمًا وأبدًا - دور الكومبارس .
بعض الرجال يُعلل تقصيره نحو زوجته ؛ إما بعجزه عن القيام بتلك الأمور الصغيرة التى تستهوي زوجته .. أو أنه يحتقر تلك الأمور ويعتبرها شغل مراهقين ، وأن عمله وإنفاقه عليها وعلى البيت فيه الكفاية كدليل على حبه و إخلاصه .
والحقيقة أن مثل تلك التعليقات وغيرها مرفوضة شكلًا وموضوعًا .. فالزوجة تقوم على إسعاد زوجها ( أو على الأقل هو ينتظر منها ذلك ) بأكثر من وسيلة وعلى أكثر من محور .. فهي تقوم بكل أعباء البيت من نظافة و اهتمام و تنظيم ، لكنها لا تتعلل بذلك كي تهمل اهتمامها بنفسها أو اهتمامها بزوجها ( أو على الأقل هو يريدها هكذا ) ، فكيف لا يتسامح الرجل عندنا فى حقوقه المشروعة .. ويطالب فى الوقت نفسه زوجته أن تقبل بالدَّنِيَّة .. وأن تكتفي منه بدور المُمَوِّل لنفقات الأسرة كدليل على الحب والإهتمام .  
إنَّ إنكار الحقائق لا يجعلها تختفي وتزول .. و الرجل الحق هو الذي يواجه نفسه بالحقيقة لا أن يهرب منها . إنَّ الرجل الذي يترك يومًا من أيام حياته الزوجية يمر دون أن يحتضن زوجته ويقبلها لهو رجلٌ أحمق .. و الرجل الذي يضنُّ على زوجته بالكلمة الطيب أو النظرة الشاكرة أو اللمسة الحانية لهو رجلٌ مُفلس . ولو أنه أعمل عقله لوجد أن كلمات قليلة أو تصرفات بسيطة لن تكلفه ، لا وقتًا ولا مجهودًا وستجعل حياته فى غاية السعادة لو أنه حرص عليها و نفذها بانتظام  .. لأدرك كم يهدر من سعادته ، وكيف يُضَيِّق على نفسه واسعًا . 
أكتب هذا الكلام وأعرف أنّ غالبية المتزوجين من أصحاب نظرية الخبرة والتجربة لن يقتنعوا بكلمة مما قلتها هنا .. وستكون ردودهم حاضرة .. فهم لا يبحثون عن سعادتهم قدر اهتمامهم بإثبات صحة مواقفهم المغلوطة وتصرافتهم المشوهة . 
لهذا فكلامي هنا سيكون بشكل أساسي لمن لم يتزوج بعد .. لهؤلاء الذين لم تتيبس أفكارهم ويصابون بداء الغرور والحماقة . وصدق الشاعر إذ قال :
لكل داءٍ من دواءٍ   يُسْتَطَابُ به .... إلا الحماقة أعيت من يداويها